الراغب الأصفهاني
535
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ودخل حمصيّ على عروة بن الزبير لما قطعت رجله ، فقال : أقطعت رجلك ؟ قال : نعم حبذا أفأنت مغتم . قال : كما يكون مثلي قال : لا تغتم فإنك لو رأيت ثوابها لتمنّيت أن اللّه قطع رجلك ويديك وأعمى بصرك ودقّ صلبك . وعزّى بعض الحمقاء جارا له بامرأته فقال : أعظم اللّه أجرك ، ورحم الظعينة فقد ماتت في يوم جيد يوم الثلاثاء ، فقيل له : إن هذا اليوم جيد لإخراج الدم فقال : هو لإخراج الروح أجود . الرزيّة فقد الأماثل لا فقد الأموال قال شبيب بن البرصاء : لعمرك ما الرزيّة بالمطايا * ولا الخيل الجياد ولا العبيد ولكنّ الرزيّة كلّ خرق * من الفتيان متلاف مفيد « 1 » وقال آخر : لا أعد الإقتار عدما ولكنّ * فقد من قد رزئته الإعدام « 2 » وقال لبيد : إن الرزيّة لا رزيّة مثلها * فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب الموت يعاجل الأفاضل ويؤخّر الأراذل هو الدهر لا يبقى عليه مقدم * جواد ولا وغد من النّاس واضع بكلّ أراه فاجعا غير أنه * إلى الحرّ والعلق النفيس مسارع وقال أبو تمّام : أن ينتجل حدثان الدهر أنفسكم * ويسلم الناس بين الحوض والعطن « 3 » فالماء ليس عجيبا أنّ أعذبه * يفنى ويمتدّ عمر الآجن الأسن « 4 » وقال آخر : يقود الزمان جياد الخيول * ويبقي الرّذال على المدود « 5 » وقال آخر : كريم لزاد يحبسه الوعاء
--> ( 1 ) الخرق المتلاف : الحمق المودي إلى الهلاك . ( 2 ) الإقتار : الحاجة والعوز - عدما : فقرا . ( 3 ) انتجل : صفّى - الحوض : مكان الشرب - العطن : مبرك الجمال حول الماء . ( 4 ) الآجن : الفاسد . ( 5 ) الرذال : جمع الرذيل ، وهو الدون والخسيس - المدود : جمع مدّ وهو كثرة الماء والمراد أن الزمان يمدّ للأراذل حبل الغيّ .